top of page

ثلاث نصوص عن ذلك الذي لم أعرفه جيداً

  • Jul 20, 2017
  • 6 min read

Updated: May 11


النص الأول:

لكنني لم أعرفك.. أقصد لم أعرفك جيداً.

لست أملك حق البحث عنك او الإستفسار عن مصيرك، سيكون استخدام اسمك وكتابة لطمية تشيد بمزاياك مبتذلاً ابتذال من يضع صورته مع مسؤول هام ليوحي للأخرين أنه مهم دون أن يدرك أن الفارغين وحدهم من يبحثون عن غريب يكملهم. وانا لا اجروء على استخدام اسمك ولا اجروء على إدعاء أن الحوارات القليلة التي اجريتها معك تكفي لتمنحني امتياز معرفتك فأنا لم أعرفك، أقصد لم أعرفك جيداً.

لم التقيك إلا ثلاث مرات في الواقع أربع، لكنك لم تعرف وربما لن تعرف.

تماماً كما لن تعرف أنني توقفت عن احتساء النسكافية لإنك سخرت مني حين أخبرتك أنني لا أشرب القهوة وطلبت نسكافية عوضاً عنها في اللقاء اليتيم الذي جمعني بك وحدنا، لن تعرف أنني صرت أشرب القهوة، ربما ليس بقدرك لكنني استسيغها واستطيع إكمال كوب كامل (وسادة كمان)

لن تعرف... وأنا لن أعرف لغة تبيح لي السؤال عنك أو حتى رثائك فيما لو صفعني خبر موتك او خبر حياتك، لو راودتني نفسي لتقصي أخبارك وهو ما لم أفعله فأنا لم أعرفك، أقصد لم أعرفك جيداً.

أتصدق! لم اشارك في الحملة التي اطلقها اصدقاؤك ولم استخدم هاشتاج اسمك أو اتضامن معك، لم أشارك أي من الأخبار التي تحدثت عنك، ولم اضع لايك على البوستات التي توعدت مطارديك. حين كان الانترنت يضج بالحديث عنك والجميع يتسائل فيما لو كنت على قيد الحياة كنت التقط صور لماعز بري تسلق أحد جبال البتراء، وكنت اتشبث بمؤخرة سيارة جيب تتقافز على رمال الصحراء، ثم رقصت الدحية في وادي رم وتبادلت النكات مع صبي القهوة مطالبة اياه بكوب من الشاي. قبل أن أخلد للنوم فتشت عن صفحتك لعلك تطل لتتحدث عن أي شيء لا يخصك او لتسخر من كل الضجيج المثار لأجلك لكنك لم تفعل وأنا لن ادعي أن ارقاً اصابني، الحقيقة أنني تجولت في قوائم التلفاز لعبت كاندي كرش ثم خلدت للنوم، كان يجب انام باكراً لاستيقظ باكراً ولم اتحدث عنك لرفاق الخيمة او لنفسي. حين عدت للمدينة لم اشعر بالحاجة لتقصى أخبارك ولم افتش عن اسمك في جوجل أو في الشريط الإخباري لقناة الجزيرة. حتى حين التقيت بصديقك مصادفة عند دوار باريس ناولته قبضة من اللوز الأخضر وبعض الملح دون أن أسأله عنك، حرصت آلا أفعل بأي حق اسأله وانا لم أعرفك، اقصد لم أعرفك جيداً.

هل تعرف؟ لو أنني عرفتك! أقصد لو عرفتك جيداً!

لطلبت منك أن تتوقف عن الصراخ في رأسي كل يوم.


النص الثاني:

اريدك أن تعرف أنني أحمل رأساً خرفاً، ثمة صدء على الجانب الأيسر واسلاك مهترئة في المقدمة وثمة تسريب لم اعرف مصدره بعد، يقول الطبيب انه قد يكون في المؤخرة وانا اظن أن الطبيب يسخر مني. على اي حال سأخبرك مرة اخرى انا امتلك رأساً خرفاً ولا اقصد رأس عجوز اعني لازلت شابة ثمة بضع شعرات يغطيها الشيب في رأسي لكنها بسبب السشوار، نعم السشوار لن أقول مجفف الشعر فاللأشياء مسمياتها تماماً كالأسماء والأماكن. الأصح الا نغير للأشياء اسمائها. كان لدي صديقة ايطالية كان اسمها ماريا كيارا وكانت تغضب حين اناديها مريم خيارة، الآن وقد كبُرت، اقصد بعد أن صار رأسي خرفاً، صرت أعي سبب غضبها. في الواقع لا أفعل؛ فهي كانت تناديني "روشا اوالي" ولم أغضب لم اقل لها ان تتوقف عن مناداتي "روشا" ولم اقل لها "عوالي" وليس "اوالي". في المرة القادمة حين التقيها سأغضب، وفي المرة القادمة حين اروي لك قصة لن امنح السشوار او مجفف الشعر كل هذا الوقت. في المرة القادمة ربما لن اروي لك قصة، في المرة القادمة سأصغي. هأنذا افعلها مجدداً اتحدث عن كل شيء واي شيء لأتجنب الحديث عن الشيء الوحيد الذي اريد الحديث عنه وانا اريد الحديث عنك لكنني لا أملك ترف الحديث عنك قلت ذلك مسبقاً، هل تذكر!

غالباً لن تذكر، لعلك مثلي تملك رأساً خرفاً او لعلي مثلك امتلك ذاكرة تحتاج لإعادة ضبط المصنع! في الواقع اظن أن رأسي صار خرفاً منذ عرفتك، فقبل أن أعرفك لم يكن ثمة ما يشغل رأسي، باستثناء ربما نشرة الأخبار، حالة الطقس، وزن ديانا كرزون، وجبة الغداء، الكتاب الذي لم انهي قراءته بعد، قائمة المشتريات، كيفية استعادة جواربي التي سقطت على شرفة الجيران. مذ عرفتك صار رأسي يضج بالأسئلة الحقيقية، الأسئلة التي تسترعي انتباه كل الخلايا النائمة في زوايا رأسي المظلمة. يقال أن دماغ المرأة يضج بالحجرات على عكس دماغ الرجل الذي يملك حجرة واحدة ، وأنا كنت اظن أنني املك دماغاً بحجرة واحدة، كل من يعرفني يعرف أنني أعجز عن القيام بأكثر من مهمة واحدة في الوقت الواحد، كنت كذلك على الأقل حتى عرفتك! لم اكن أستطيع التقاط صورة وانا احتسي القهوة او صورة للقهوة. الحقيقة لم اكن احتسي القهوة، قلت ذلك مسبقاً، كنت اعجز عن الاجابة على الهاتف اثناء تناول الطعام، وغالباً سأرد بنظره بلهاء على كل من يبادرني بصباح الخير وانا اضغط زر المصعد، لا استطيع أن العب الكاندي كرش وانا استمع لنشرة الأخبار ولا يغالبني النوم وانا اقرء، الجميع يعرف ذلك، الجميع باستثناءك. لكنني منذ عرفتك - رغم أنني لم أعرفك جيداً - صرت اتقن القيام بأكثر من مهمه واحدة في الوقت الواحد، مثلاً استطيع أن اساير الضجيج الذي خلفته في رأسي في الوقت الذي امارس الحياة بكل تفاصيلها البلهاء، وأستطيع انتقاء اجابات وددت لو امتلكتها حين عرفتك، صار يمكنني استعادة تفاصيل لم اكن اعلم أن رأسي قادر على الاحتفاظ بها. مالذي اريده الآن! لاشيء، حسناً في الواقع كل ما اريده هو أن تتوقف عن الصراخ في رأسي - قلت ذلك مسبقاً- إذا غادرت رأسي، أعدك انني سأرد على من يبادرني بصباح الخير وانا اضغط زر المصعد، وأن أجيب على الهاتف وانا أتناول الطعام سألعب كاندي كرش وانا استمع لنشرة الأخبار فالتذهب نشرة الأخبار للجحيم سألعب الكاندي كرش وانا استمع لألبوم انغام الجديد، سأغفو وانا اقرء، وسأتوقف عن احتساء القهوة واكتفي بالتقاط صورها، سأفعل كل شيء وأي شيء لإبقيك خارج رأسي . للمرة الأخيرة أقول لك امتلك رأساً خرفاً فلماذا تصر على الإقامة فيه.

النص الثالث:

علي التوقف عن الحديث عنك، فأنا بأي حال لا أنصفك كل النصوص تبدو قاصرة امامك ثم أنني اجد من الصعب الحديث عنك امام كل هؤلاء من ضيقي الأفق ممن يظنون حديثي الدائم عنك هو ضرب من الحب وانت ربما لم تعرفني جيداً لكنك عرفتني بما يكفي لتعرف أنني لا أحبك، ليس ذلك الحب الساذج الذي يتحدثون عنه على أي حال.

هذه المرة لن اتحدث عنك هذه المرة سأتحدث عنها، بالأحرى سأحدثك عنها.

هي لا تشبهني مطلقاً، انا قصة ساخرة ومقالب متوقعة لا تحتال كثيراً لتفهمها فتدفعك للضحك لا اربكك ولا أقيدك، هي حبكة درامية، هي صخب دائم، هي عاصفة تباغت عقلك فتدفعك للتفكير مطولاً ثم انك تقرر انها اجمل من أن تفهمها فتكتفي بما تجود به عليك، حين حدثتك عنها تعثرت ثم ضربت على رأسك تهاوت كلماتك وصمت، وانا سألتك عن الكثيرين وكنت سخياً في الحديث عنهم جميعاً، هي فقط من اربكك الحديث عنها، هي فقط من دفعك للإصغاء.

تعجبني الأفلام التي تتحدث عن الأرواح العالقة بين عالمين بانتظار من ينهي قصصهم العالقة، مثلاً حل لغز موتهم، تنفيذ وصيتهم، ايصال رسالة لم يتح لهم الوقت لإيصالها.

هل كانت هي قصتك العالقة هل ستذوب في رأسي كحبة ملح اذا ما اخبرتُها عنك، هل اخبِرها انك تعثرت كطفل يتعلم السير حين همستُ باسمها لأول مرة امامك! هل اخبرها أنني لم اشعر أن ما اقوله ذي أهمية لديك إلا حين كان يتعلق بها! عن ذلك الهدوء الذي اعتراك حين تحولت دفة الحديث لموضوع اخر، هل اصف لها ذلك الوجع الذي ضجت به عينيك لأن اخرى لا تشبهها شاركتك الوقت والصمتْ وقهوة لا تُحبها. كيف اخبرها يا صديق وهي تجاوزتك! لن تصدقني! لكنك لا تملك إلا أن تصدقني فأنت في النهاية تقيم في رأسي انا! وانا اقول لك أنها تجاوزتك. تماماً كما تجاوز جبران مي زيادة بموته وكما تجاوزت غادة السمان غسان كنفاني بحياتها، تجاوزتك يا صديق مع عدو لن يرتعد عند ذكر اسمها ولن يبحث عن صوتها في احاديث الآخرين، لن يفتعل ضجيجاً في رؤس غرباء لن تؤرقهم بغيابها او حضورها كما ارقتك. حتى لو كانت هي قصتك العالقة أي رسالة اوصلها و انا التي لم اعرفك، أقصد لم أعرفك جيداً.

حين التقيتُها مصادفة تسائلت ماذا لو زججت باسمك في حديثي، ماذا لو سألتها عنك كمن يسأل عن صديق قديم يجهل اخباره. مالذي املكه لأقوله! وانا التي لم تعرفك، حتى لو عرفتك ما كنت لأقول أي شي لأنها ببساطة تجاوزتك، قلت ذلك مسبقاً لكنك لا تصغي! تريد أن تعرف كيف أعرف أنها تجاوزتك! تجاوزتكْ، لأن اخراً كان يسكن صوتها، اخراً لا يُشبِهُكْ، اخراً يمكن للغة احتواءه ولا تضيق به التفاصيل، شاهدته يجلس في نصها كقط منزلي ينتظر وجبته المصنعة، وقرأته في ملامحها التي واصلت تفقد الوقت والبوابه ووجوه الآخرين، سمعته في ضحكتها المفتعلة وشرودها المتواصل. حين حدثتني عنه لم ترتبك ولم تتلعثم بدى أنها لم تكترث لتفتش في ملامحي عن رد فعل حتى أنني أوشكت أن اكيل لها الآمنيات بسعاده اعرف انها لن تكون، لأنني اثق انك ستُلقي بظلك على تفاصيل يومها وأنها من وقت لأخر ستستحضرك فيظل قطُها المدجن قاصراً امامك، كيف لأي كان ألا يبدو قاصراً أمامك!

هي ايضاً لم تسألني عنك ربما لأنها تجاوزتك وربما لأنها عرفت أنني لم أعرفك، أقصد لم أعرفك جيداً.

هل تجاوزتكَ حقاً!

ماذا لو أنك لازلت تقيم في رأسها تماماً كما تقيم في رأسي!










 
 
 

Comments


bottom of page